حسن الأمين

288

مستدركات أعيان الشيعة

الشعراء وألبق المحدثين ، والذي كان منبعا للوطنية وملتقى لرجالها . أن هذا المنزل الذي يمثل صفحة من أنقى الصفحات في تاريخ جبل عامل ، بل في تاريخ لبنان وتاريخ العرب العلمي والأدبي والنضالي ، إن هذا المنزل الذي كتب فيه الشيخ أحمد رضا معجمه ( متن اللغة ) وأبحاثه في التاريخ والفقه والأدب ، إن هذا المنزل قد أزيل من الوجود ، وأصبح أثرا بعد عين كما يقول الأقدمون . وكان من حقه على بلدته وعلى بلاده كلها أن يحفظ أثرا من آثارها التاريخية ومتحفا من متاحفها الوطنية . فسلام على الشيخ أحمد رضا حيا وميتا ، وسلام على منزله صرحا عامرا وطللا دائرا . . . كان أبرز رواد مجلس الشيخ أحمد رضا : تربه وزميله ، بل أخوه الذي لم تلده أمه الشيخ سليمان ظاهر ، وقد عاش هذان الشيخان منذ وعيا الحياة أخوين في الله والعلم والحق . عاشا معا طالبين فعالمين فمكافحين . عاشا معا حياة حافلة بأشرف ما تحفل به حياة الرجال من علم وعمل وإخلاص . وكان لا يذكر أحدهما إلا ويذكر الآخر معه ، حتى لقد استعيض عن تسميتهما باسميهما عند ذكرهما فكان يقال : جاء المشايخ وذهب المشايخ ، وقال المشايخ وفعل المشايخ . فيفهم السامع أن المقصود هو الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر . وكانا يكمل أحدهما الآخر ، فكلاهما شاعر كاتب مؤرخ لغوي ، ولكن الصفة المتفوقة في الشيخ سليمان ظاهر ( الشاعر ) وفي الشيخ أحمد رضا ( اللغوي ) . وعلى الرغم من أنهما كانا على مزاجين مختلفين فإنهما في حياتهما الطويلة كلها لم يتكدر ما بينهما بذرة من التكدر ، بل ظلا في كل لحظة من تلك الحياة المعطاء الجوادة على أصفى ما يكون الأصفياء ، وأشهى ما يكون المتحابون . وتوفي الشيخ أحمد رضا قبل الشيخ سليمان ظاهر بسنين ، فظل الشيخ سليمان ما عاش طويل الكآبة عميق الحزن مستشعرا الوحدة ، مفردا بين الجماهير . أيها الشيخان ، بل أيها المشايخ كما كان يحلو للناس أن يتحدثوا عنكما . . . إذا كان لكل منكما عشرات السجايا التي تكفي كل واحدة منها لتضع الرجل أكرم موضع فاحسب أن من أجل سجاياكما أن كنتما كما تحدث القرآن عن أهل الجنة : * ( ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ) ) * . أيها الشيخان : كم يطيب لي الحديث عنكما وأكتفي اليوم من ذلك بقول شوقي : وهو يرثي صديقا له : ( يا ليت شعري هل قلت الذي أجد ) جئت النباطية في تلك الفترة وكانت قد تألفت فيها جمعية باسم ( جمعية النهضة العاملية ) ضمت عصبة من الشباب النباطي ، فكانت أول جمعية من نوعها بعد ( جمعية المقاصد الخيرية ) التي أسسها الشيخ أحمد والشيخ سليمان ظاهر منذ شبابهما فأقامت مدرستين : مدرسة للبنين ومدرسة للبنات ، فعاشت الجمعية طيلة حياتهما ، ثم بعد وفاتهما واستطاعا بنزاهتهما أن يوجدا لها أملاكا جمة ذات موارد غزيرة . ولقد علمت عند وصولي للنباطية بان جمعية ( النهضة العاملية ) تتهيأ لإقامة حفل تكريمي لأحد شباب المنطقة لمناسبة نيله ( إجازة الحقوق ) من معهد دمشق . وكان نيل إجازة الحقوق يعتبر في ذلك الوقت في جبل عامل حدثا يستحق بان يشاد بصاحبه ويدعى الناس للاحتفاء به . . ورآني الداعون إلى الحفل ، فشاؤا أن أكون في عداد المتكلمين . ولم يكن في ذهن أحد أن أحدا من الخطباء سيتجاوز فيما يقوله الحديث عن المحتفى به وما إلى ذلك من شؤون . ولكنني قد كنت منفعلا باحداث دمشق ، وما يجري في سوريا كلها من صراع بين الوطنيين والفرنسيين ، ومتأثرا بالمظاهرات والاعتقالات ، متأسفا على أن لا أكون قد شاركت في شيء مما يتأجج في ديار الشام فصممت على أن يكون خطابي مستوحى من صميم الأحداث السورية ، وعلى أن أجعل منه قنبلة تنفجر في ذاك الحفل ، فتصيب شظاياها من تصيب . . . وقد كان ذلك فألقيت كلمة مكتوبة بدأتها بالحديث عن موضوع الاحتفال فاتخذت من تخرج المحتفى به من معهد حقوق دمشق سبيلا للحديث عن دمشق وما يجري فيها . . . فران على الجميع صمت رهيب هو مزيج من الدهشة والخوف والاستنكار والاستحسان ، وقد كنت أطالع كل ذلك في وجوه السامعين . . . ونزلت عن المنبر وعدت إلى مكاني واتخذت من الإطراق وسيلة للتخلص من العيون الشاخصة إلي بشتى بواعث الشخوص . . . وأذكر أن الخطيب الذي تلاني خرج إلى المنبر متعثرا وبدا في كلامه متلجلجا ، وظهر عليه أنه يخشى أن يؤخذ بجريرتي ويشرك في مسئوليتي . . . وانتهت الحفلة وعدت إلى طبيعتي ووقفت مع الواقفين استعدادا للخروج ، ومن الطبيعي أن يتصافح الخارجون ، فرأيت كيف تجنبني حتى أمس الناس صلة بي . . . مر الحادث خلافا لما توقع الناس ولما توقعت أنا نفسي ، ما خلا العتاب ممن ينتمون إلى منظمي الحفل على أن ورطتهم في هذا الأمر ، وأنهم يتوقعون شرا لا يدرون كيف سيقع . ولكن الشر لم يقع وحرصت على أن أبقى في النباطية أكثر من يوم لأكون ماثلا لكل سؤال . وبدا لنا بعد ذلك أن السلطات لم يكن في ذهنها حدوث ما حدث ، لذلك لم تحرص على إرسال المخبرين المتجسسين ، وأن أحدا من الحاضرين لم يتبرع بالابلاغ ، لذلك ظل الأمر محصورا ضمن إطار محدود ولم يترك ذيولا . . .